الشيخ محمد رشيد رضا

83

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عليه إدراكه وحكمه ، ومنه الداء المخامر ، ومن قال خامره غطاه فقد راعى أصل معنى خمر الشيء والمراد واحد . والحديث متفق عليه ، ولم ينقل ان أحدا من الصحابة أنكر على عمر قوله هذا ، ولذلك قال من قال من أهل الحديث والأصول ان هذا القول له حكم الحديث المرفوع إلى النبي ( ص ) من حيث هو تفسير لحكم شرعي لا يقوله الصحابي برأيه ، فان قال قائل انه يمكن ان يقوله باعتبار فهمه للقرآن والسنة . قلنا إذا كان هذا ما فهمه هذا الامام في اللغة والدين ووافقه عليه جمهور الصحابة ولم ينقل عن أحد انه خالفه فيه - فهل يمكن ان نجد لنص شرعي تفسيرا أصح وأقوى من تفسير يصرح به أمير المؤمنين على منبر الرسول ويوافقه عليه علماء الصحابة وعامتهم ؟ وهل نقل عن الصحابة إجماع مستند إلى دليله أقوى من هذا الاجماع ؟ فظهر بهذا ان كون كل شراب من شأنه الاسكار خمرا ثابت بالكتاب والسنة واجماع الصحابة المقرون بدليله وبالقياس . فان قيل إن هذا من الاجماع السكوتي المختلف فيه - قلنا إنه ليس منه ، إذ السكوتي عبارة عن قول لمجتهد ينتشر في مجتهدي عصره فلا ينقل عنهم موافقة له ولا إنكار - وان إقرار جمهور الصحابة لقول عمر في حكم الموافقة القولية ، وقوله على المنبر جدير بان ينقل ويشيع ، وان يراجعه فيه البعيد إذا بلغه كالقريب ، ولو راجعه أحد في ذلك لعاد إلى ذكر المسألة على المنبر كما فعل عندما أنكرت عليه المرأة ما كان اراده من الامر بتحديد المهر ، ثم إن اجماعهم العملي على ترك جميع المسكرات منذ نزلت الآية يؤيد ذلك - وإذا لم يكن مثل هذا اجماعا فلا سبيل إلى إثبات إجماع قولي قط فالحاصل أن أول من قال بهذا القول في الخمر لا حجة له فيه ، بل هو من جعل الدليل عين المدلول ، فإنه هو المخالف وحده فكيف تكون دعواه الخلاف حجة لخلافه ؟ هذه مصادرة بديهية . نعم يصح ان يقال إن هذه شبهة عرضت لمن لم يبلغه النقل عن الصحابة فهو معذور فيها إلى أن يبلغه النقل ، فمتى بلغه زالت الشبهة بالحجة وأما من جاء بعد المخالف الأول وبلغه خلافه فشبهته أقوى عند أهل التقليد ، وهؤلاء ليسوا من أهل الحجة والبصيرة في الدين ، فالكلام معهم لغو ما لم يحكموا الدليل ويرضوا بحكم قوله تعالى ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ )